محمد غازي عرابي
1097
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
وإذا بلغ العاشق هذا الأفق فني واصطلم ، ولم يعد يميز العاشق من المعشوق ، ولا الصورة الجميلة ممن تجلى لهذه الصورة وفي هذه الصورة ، وهؤلاء العشاق هم الذين فنوا في الروح الأعلى حيث لا حقيقة ولا جمال ولا وجود إلا للّه صاحب الجمال والحب والأنوار . وأنشد ابن الفارض في التائية : فكل مليح حسنه من جمالها * معار له بل حسن كل مليحة بها قيس لبنى هام بل كل عاشق * كمجنون ليلى أو كثير عزة فكل صبا منهم إلى وصف لبسها * بصورة حسن لاح في حسن صورة وما ذاك إلا أن بدت بمظاهر * فظنوا سواها وهي فيها تجلت بدت باحتجاب واختفت بمظاهر * على صبغ التلوين في كل برزة وأنشدت رابعة : أحبك حبين حب الهوى * وحبا لأنك أهل لذاكا فأما الذي هو حب الهوى * فشغلي بذكرك عمن سواكا وأما الذي أنت أهل له * فكشفك للحجب حتى أراكا فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي * ولكن لك الحمد في ذا وذاكا وقال الشيخ أبو سعيد المهيني لما قرئ عليه قوله تعالى يحبهم ويحبونه : كيف يحبهم ؟ فإنه ليس يحب إلا نفسه ، على معنى أنه الكل ، وأن ليس في الوجود غيره ، فمن لا يحب إلا نفسه ، وأفعال نفسه ، وتصانيف نفسه ، فلا يجاوز حبه ذاته وتوابع ذاته من حيث هي متعلقة بذاته ، فهو إذا لا يحب إلا نفسه . وما ورد من الألفاظ في حبه لعباده فهو مؤول ، ويرجع معناه إلى كشف الحجاب عن قلبه حتى يراه بقلبه ، وإلى تمكينه إياه من القرب منه وإلى إرادته تلك به في الأزل . وقالت الصوفية في الحب والمحبوب : إذ يشارف الحب النهايات يؤذن ذلك بتحقق وحدة المحبة والمحب والمحبوب ، وذلك بملاشاة المحب كتعين عدمي في المحبوب الذي هو الوجود المطلق ، فيكون الوجود الحق بذلك محبا باعتبار تعينه وتقييده بصورة المحب ، ويكون هو ذاته محبوبا باعتبار إطلاقه ، وعين المحبة باقية على عدمها . وقالوا في المحبة المفضية إلى الكشف : إذا تحقق الإنسان بالوجود الواحد الحق ، وخرجت النفس عن دعوى الاستقلال فضلا عن دعوى الوجود ، وانكشف لها شهدت عينها المعدومة بنفسها الموجودة بالوجود الواحد ، عندئذ يصير المحبوب محبا ذوقا ووجدانا وكشفا